السبت 16 ديسمبر 2017 - 12:52 مساءً - القاهرة

 
     

 

 

               

 

  أحدث الأخبار

 



 

  الأكثر قراءة

 
 


نتائج

 



 
 
 

رسالة الكلمة الشاعرة


عوض خاطر _دكرنس، الدقهلية
الجمعة 20 مايو 2016 01:15:02 صباحاً




إن للكلمة رسالةً وهدفًا يعبِّر بها الإنسانُ عما يريدُ ويرغبُ ويسافرُ معه بين الحنينُ والذكرياتُ بين الغدِ المشرقِ وحلمِ السنين وأثناء ذلك لا يفوتُه أن يكونَ مرآةً صادقةً للحاضر بكل ما فيه من شجون .

اللغةُ وعاءُ الفكر وعلى أجنحتها تنبضُ العواطفُ ويستمر اللحنُ بين نبضٍ حالمٍ حينا وثائرٍ حينا وباكٍ كثيرا فالشعرُ يزداد بريقًا باللوعة والألم ويرقُّ في ابتسامةِ زهرةٍ بأحضانِ الحنينِ وتباريحِ الشوق .

وكلما كانت اللغةُ شامخةً وعروسًا مبهرةً كنا نسيرُ باللحن على أوتارٍ شاعرةٍ جميلةٍ فحروفُ لغتنا العربيةِ لها خصوصةٌ عن باقي اللغات فحروفُها شاعرةٌ نابضةٌ تَحِنُّ وتشتاقُ تصرخُ وتتألمُ ولكل حرفٍ ملمسٌ فهذا ملمسُهُ ناعمٌ كالحرير وذا ثائرٌ غاضبٌ كصوتِ الرصاص الحي وآخرُ يترقرقُ كخرير الماء ..

فلغتُنا شاعرةٌ لها رنينٌ داخليٌّ آسرٌ بنغماتٍ اجتهد الخليل بن أحمد الفراهيدي وأوجدها ومن بعده أضاف تلميذه الأخفش نغماتٍ جديدةً بحرين آخرين

ولما امتد بنا الزمنُ نجد في كل يوم ألحانًا وألحانًا نغماتٍ ونغماتٍ فبالرغم من أن علمَ العروضِ علمٌ رائعٌ جميلٌ نسيرُ على هديه فجزى اللهُ الخليلَ وتلميذه لما قدماه لنا من بحورٍ وتفعيلاتٍ وجهدٍ عظيمٍ يُحسَبُ لهما إلا أنه عندما جاء العصرُ الحديثُ ابتكر الكثيرُ من الشعراء تفعيلاتٍ جديدةً تُضافُ لما قدمه الأوائلُ من جهدٍ بشريٍّ ليس في ذلك عيبٌ حيثُ إن عروضَ الخليلِ ليس قرآنا مقدسا لا نحيدُ عنه ويعززُ هذا الرأي أن الشاعرَ العربي قديما كزُهيرِ بن أبي سُلمَى كان يكتبُ قصيدته في سنةٍ كاملةٍ فلم تأخذُهُ الحياةُ الحديثةُ بكل ما فيها من تعقيداتٍ وصعوباتٍ ونمطٍ هائلِ السرعة ..

لهذا أصبح الشاعرُ في زماننا مكبلًا بقيودٍ باتتْ تحوطُهُ من كل اتجاهٍ بالبيتِ والعملِ وكسب قوتِ يومه ونجدُه وسطَ دوامةِ الحياةِ هذه بات يرفضُ أيَّ قيدٍ فحياتُهُ لم تعدْ تحتمل .. 

من هنا كانت الكلمةُ الناعمةُُ تسكنُ آلامهِ والكلمةُ الثائرةُ يصرخُ فيها ليتخلصَ من جبالِ الهمِّ والألمِ وتمضي الحياةُ بين لحظاتٍ ساحرةٍ يختلسُها من الزمن ليعيشَ مع نفسهِِ وجراِحِه يعزفُ أشجانَهُ وتجاربَهُ وسط هذا اليَمِّ والدوامةِ الطاحنةِ فيرفضَ أن يكونَ عبدًا لأحدٍ حتى ولو كان الشعرُ ذاته إلا أنه مازل بداخله هويةً وانتماءً يسيرُ في رحابها وإنْ تمردَ عليها في كثير من الأحيان ولكن هذا التمردَ لا يبتعدُ كثيرا .

الشعرُ أيقونةٌ تكشفُ عن شخصية الشاعر ونافذةٌ نطلُّ من خلالها على الزمنِ الذي عاشَ فيه فكلماتُهُ تنبضُ بالحياة وهي كائناتٌ حيّةٌ ومرايا محدبةٌ تعكس بوضوح وصدق واقعَهُ وخيالاتِهِ وأحلامَهُ وآلامَهُ فَانطلقَ يهمسُ للحياة ويشدو في شجنٍ ممزوجٍ بالشوق حينا والحنينِ أحيانا وبالألمِ أحايين كثيرة ليتنفس هواءً نقيا أو غيرَ نقي فقد أصبح الأكسجينُ بالعملةِ الصعبة ! وتستمرُ حياته فكلما تنفس تغيرتْ كيمياءُ حياتِهِ وأصبح نقيا كوجهِ الياسمين راقيا كابتسامة الشمس في وجهِ السماء مقبلًا على الحياة كفارسٍ سيفُهُ الكلماتُ ورمحُهُ الحروفُ وجوادُهُ عبقَ السنين وهويةٌ يتنفسها صباحَ مساءَ .

فيعبر عن ذلك باللغةِ الشاعرةِ والعروسِ الجميلةِ في لحظات الحنينِ والهمس وكذا ساعات انفجارِ البركانِ وهبوب أعاصيرِ الحياةِ متلمسًا هويتَهُ بين هذه الأوتارِ المتشابكة ..

وعبر شقشقةِ الفجرِ وزقزقةِ العصافيرِ تسافرُ الألحانُ كلَّ صباحٍ تتأملُ الحياةَ معانقةً الورودَ وألوانَها لقطراتِ الندَى وتستمرُ مسبحةً لربِ الكونِ والسماء .